من يزرع بذور الفشل؟

ليست هناك تعليقات
الإنسان كائن اجتماعي يتقلب في حياته من جماعة إلى أخرى في الوقت نفسه .. فهو عضو في أسرة وعندما يتزوج يكون أسرة .. ويعمل مع مجموعة ويلهو مع مجموعة … ويتشارك الفرح والحزن مع المجتمع .. ولو فكرت في كل اتجاه ترى المجموعة جزء مهم للجميع. أفضل ما في المجموعات التآلف والمشاركة في الأفراح والأحزان .. أما الأسوأ فهو .. الأحكام المسبقة والقوانين والأعراف والعادات والتقاليد التي ليس بالضرورة أن تكون صحيحة .. وبالتالي يوصف الخارج عنها بأبشع الأوصاف .. منها الخائن ومنها الليبرالي أو المتحرر أو الفاشل .. فاشل لأنه لم يرض شرب الخمر بين مجموعة الشاربين .. وفاشل لأنه فضل الجلوس على مقاعد الدراسة بدل التخلل على كراسي المقاهي .. فاشل لأنه حاول الخروج عن المألوف ليأتي بشيء يفيد البشرية .. فاشل لأنه لم يعد يتكلم كما يتكلمون أو يفكر كما يفكرون .. فهو فاشل


هناك الكثيرون ممن حولنا متخصصون في زرع بذور الفشل .. قد يتواجدون في لحظة ولادتك .. وفي بيتك وغرفة نومك .. وفي مدرستك وفي الشارع وفي السوق .. حتى في دور العبادة .. لماذا يحدث كل هذا ..؟؟ أليس غريباً أن يزيد زرع بذور الفشل عن زرع بذور النجاح ..؟ هل في الأمر سر .. أعتقد أن الأمر بنطوي على الكثير من الأسرار أو التي يظن أصحابها أنها أسرار .. فمن يفشل في أمر ما يصور لغيره أن الفشل حتمي في هذا الأمر لأنه فشل فيه؟ ومن يحتقر نفسه فيتصور دائماأنه لا يستحق النجاح لذلك يزرع بذور الفشل في نفسه وفي من حوله .. وهناك العديد من الطرق التي يحدث فيها ذلك .. منها هذه القصة أو الأقصوصة الرمزية .



تبدأ القصة بمشهد صغير .. يوم إعلان نتائج الامتحان أو توزيع الشهادات، محمد حاصل على مجموع كبير وترتيبه الأول على صفه، ماجد حاصل على معدل عادي وترتيبه الثاني والعشرون في صفه المكون من خمس وعشرون طالب .. يعني ناجح فقط- لا ترتيب ولا يحزنون- وعلى الجانب الآخر مريم التي تأخرت في بعض المواد ولكنها نجحت والسلام. يقلب الأب نظره في شهادات أولاده وتكون ردة فعله كالتالي:
محمد .. ماشاء الله عليك انت ذكي وأمامك مستقبل مشرق.. مبرووك يا ولدي.
ماجد.. يالله مبرووك بس ياليتك تتعلم شوي من اخوك وتشد حيلك مثله، ما أدري أنت طالع غبي لمن (والأب الحبيب كان ينجح بمعجزة طوال فترة دراسته في المدارس). يا ولدي لازم تتفوق وتحقق مجموع كبير عشان تدخل كلية محترمة وترفع رأسي مثل اخوك.
مريم.. مبروك يابنتي (وفي نظره أنها ستكبر وتتزوج ولايهم مستوى دراستها) ..


وخلف الكواليس فإن محمد شخص يحب السير على نظام معين لذلك فهو يتقبل الدراسة ويتفوق فيها. وماجد شخص حركي يحب الأعمال الشاقة من رياضة وتسلق وسباحة ويعشق الخروج في رحلات الصيد ولو أعطيته مقرراً دراسياً لتنظيم وإدارة المخيمات الشبابية لكان الأول بلا منازع. أما مريم فهي صديقة الفرشاة، تحب الرسم وتجد فيه سعادتها وتفوقها. وعلى الجانب الآخر فإن المدرسة تعطي الأهمية للعلوم والرياضيات وتذبح حصص الرياضة والفنون لصالح مدرسي العلوم والرياضيات المتأخرين عن مناهجهم، والكل متفق على أن النجاح والفلاح والتفوق هو بالرياضيات والعلوم اما بقية المواد فهي مضيعة للوقت والجهد ولابأس أن يتنازل مدرسوا تلك المواد (السخيفة) عن حصصهم لصالح مدرسي المواد (القوية والدسمة) التي تحتاج إلى ذكاء. أكرر تحتاج إلى ذكاء.
وطبقاً للفكرة السائدة في المدارس وفي المنازل فإن محمد شخص ناجح. وماجد شخص فاشل. أما مريم فهي (بنت) وفاشلة في نفس الوقت. هل هذا عدل؟
بينما تفكر بإجابة على ذلك السؤال، دعنا نقوم بجولة أخرى في حياة كل من محمد وماجد ومريم أبطال قصتنا لنعرف كيف كان نجاح محمد وكيف كان فشل كل من ماجد ومريم.
محمد:
بعد مسيرة دراسية موفقة أصبح محمد مؤهلاً للدخول للجامعة ولأنه طالب ذكي ومعدله العام كبير فقد أصبح لديه مجموع خيارات لا يختارها إلا الأذكياء (حسب تقييم المجتمع) .. مثل الطب والهندسة. احتار محمد ما بين الطب والهندسة واختار أخيراً دراسة الهندسة. درس محمد وتخرج ويعمل مهندساً في إحدى الشركات الكبيرة. ولازال متفوقاً.
ماجد:
لم يصدق ماجد أن يخرج من مرحلة الدراسة ناجحاً على غير تفوق فقرر خوض غمار الحياة ودخل في مجال الشرطة برتبة عادية واستقر أخيراً في قسم تدريب الكلاب البوليسية. هذه الوظيفة وضعت ماجد في موقف (الفاشل) بالنظر إلى مهنة أخية (المهندس). ولكن ماجد الذي يحب الحركة والمغامرات اعتبر نفسه مميزاً بدخوله هذا المجال، ومع الوقت أصبح يستمتع أكثر وأكثر.. شارك في العديد من الدورات الفنية والبيطرية التي تخص الكلاب وأصبح مدرباً مرموقاً. ومازال هناك يستمتع بما وصل إليه.
مريم:
لم يأتها النصيب كما كان يتوقع والدها، وبعد الانتهاء من الدراسة شاركت في الكثير من الأنشطة التطوعية ولكن لم تكن لها وظيفة فعلية. عانت مريم الكثير لتمارس هوايتها .. الرسم وعمل المجسمات الخاصة بالمدن والمباني .. لم يكن تعاملها مع هوايتها سهلاً لأنها تحتاج بعض الأعمال (الذكورية) كلبس اليونيفورم والتعامل مع الدهانات والمطارق والمناشير وغيرها. لذلك كانت تمارس جانباً من هذه الهواية كلما سنحت لها الفرصة في إحدى الجهات التطوعية. ومع الوقت أصبحت مشهورة في هذا المجال ..على الأقل ما بين محيطها الصغير من الفتيات والنساء المتطوعات. وبعد ذلك حصلت على قرض حسن من إحدى الجهات الداعمة لمشاريع الشباب وانطلقت من معمل صغير في منزل العائلة. مازالت مريم تعمل في مجالها، وتكسب مبلغاً ليس بالكبير ولكنه يقارب الرواتب الشهرية لأخويها المهندس محمد ومدرب الكلاب الكابتن ماجد.

 د لا تجد أي أثر للفشل في هذه القصص .. وأنا أشاطرك الرأي فكل واحد من الاخوة الثلاث قد وجد طريقاً يسير عليه.. ولكن اسمع ما يقوله الأب عن كل واحد من منهم.
محمد: طووول عمره ذكي ورافع راسي.. يعني محمد “ناجح”
ماجد: الله يهديه.. طول اليوم يركظ ورا (أي يجري خلف) الكلاب والنجاسه .. فضحني…. بمعنى آخر .. ان ماجد “فاشل”
مريم: الله يرزقها بالزوج الصالح وتبتعد عن الخرابيط اللي مضيعه فيها وقتها وفلوسها… يعني “فاشلة”
تكتمل القصة بطرف مهم جداً في تحديد مدى نجاح كل شخص .. هو الشخص نفسه. ففي حين أن الوالد قد أبدى رأيه بنجاح أو فشل أبنائه فإنهم ينظرون للموضوع من زاوية أخرى ..
محمد: يحمد الله على ماوصل إليه ولكنه يرى أن راتبه لا يتناسب مع ذكائه وقدراته ويشعر داخلياً بالإحباط “والفشل”
ماجد: يعتبر أن الحياة لابد أن تسير بهذا الشكل ويرى نفسه أنه يستحق ما وصل إليه ولا يعتبره سيئاً .. ويعتبر نفسه ناجحاً.
مريم: صحيح انها تنتظر فارس الأحلام إلا أن عملها الفني أضاف لها الكثير مادياً ومعنوياً وتحمدلله على ما وهبها اياه .. وهي ناشطة في العمل التطوعي وبارزة في العمل الفني وقد أقيمت لها عدة معارض لاقت خلالها الاستحسان.. وتعتبر أن نجاحها قد فاق توقعاتها.
هناك من يعاني من نجاح وضعه فيه الآخرون ولا يرى داخل ذلك النجاح شيئاً مثيراً للاهتمام. وهناك من يستمتع بالفشل الذي يتحدث عنه غيره .. لأنه لا يهتم بذلك مادام يعيش النجاح بشكل ممتع.
أعود إليك أنت وأسألك .. كيف ترى نفسك في سلم النجاح ؟؟!! هل لديك الكثير من التجارب التي انتهت على غير ما تتوقع أو أوصلتك إلى مرحلة الإحباط؟ هل عدت إلى العمل أكثر نشاطاً بعد أي تجربة غير ناجحة أم أنك اقتنعت أنك لست مؤهلاً للنجاح؟!! هل أنت محمد أم ماجد .. وهل أنتِ مريم؟!

نقلاً من مدونة الأستاذ/ فيصل خميس 

الخلاصة من وجهة نظري أن الفشل غير موجود أصلاً إلا إذا زرعنا بذوره .. ويمكن أن تزرع بذور الفشل بعدة طرق ..
* ضعف الإيمان بالله.
*أن يكون الشخص محتقراً لنفسه ويرى نفسه أقل من غيره ولا يؤمن بحظوظه في النجاح.
* تلقي الرسائل السلبية في البيئة التي يعيش فيها .. مثل.. أنت فاشل .. أنت غبي .. وغيرها.
* معايشة الأصدقاء الذي يعيشون في الانطباعات السلبية.
* عدم وجود هدف واضح .. تخيل أنك تريد الخروج بسيارتك ولكن لا تعرف إلى أين .. قد تذهب إلى البحر او إلى مدينة أخرى أو إلى السوق أو ربما تقود سيارتك ذهاباً وإياباً في شارع واحد فقط .. كل الاحتمالات موجودة ما دام لا يوجد لديك هدف.
* التسويف .. والتسويف المشروط !! فبالتسويف يقول الشخص سوف أعمل واعمل ولا يعمل شيئاً .. أما التسويف المشروط فأعني به أن يقول الشخص سوف أقوم بعمل معين ولكن بعد ان تتحسن ظروفي أو تتغير وظيفتي أو أربح المليون وغيرها من الشروط !!
* الحماس المفرط .. فاحياناً يتمنى شخص عادي لا يحمل مؤهلات علمية أو عملية بان يرأس شركة كبيرة وهو لا يعرف شيئاً عن تلك الشركة !! ولا يعرف شيئاً عن الإدارة فهذا حماس مفرط .. ولكنه قد يستطيع لو سلك الخطوات اللازمة واخذ وقته في التعلم .. وهذه خطوات تتلوها خطوات لتحقيق الهدف.

ليست هناك تعليقات:

إترك تعليقك

اترك تعليقك

جميع الحقوق محفوظة © 2016 - مدونة فيصل الورشة